الحشود العسكرية الأميركية بين ردع إيران وضغوط إسرائيل.. حسابات الضربة و«اليوم التالي»

حشد متعدد الرسائل

مع دفع الولايات المتحدة بحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومدمرات ومقاتلات إضافية إلى الشرق الأوسط، عاد الجدل حول طبيعة هذا الحشد: هل هو تمهيد لضربة عسكرية ضد إيران، أم أداة ضغط محسوبة لرفع الكلفة السياسية والنفسية على طهران دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟

صورة من الرشيف لحاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» (نيميتز)

المعطيات تشير إلى أن الحشد يؤدي وظيفتين متزامنتين؛ ردع دفاعي لحماية القواعد والمصالح الأميركية والحلفاء، وورقة ضغط تُبقي خيار الهجوم قائماً من دون إعلان مسبق. ويؤكد مسؤولون أميركيون أن التعزيزات، بما فيها البحث في نشر أنظمة دفاع جوي إضافية، جاءت في توقيت حساس أعقب حملة قمع واسعة للاحتجاجات داخل إيران.

ترمب وشروط «تجنب الحرب»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يكرر علناً تفضيله «ألا يحدث شيء عسكرياً»، لكنه يربط ذلك بشرطين أساسيين: عدم اقتراب إيران من العتبة النووية العسكرية، ووقف الإعدامات التي تطال متظاهرين. وفي خلفية هذا الموقف، يلوّح ترمب بإمكانية تكرار استهداف منشآت نووية إيرانية، كما حدث في يونيو (حزيران) 2025، إذا عادت طهران إلى المسار نفسه.

في الوقت ذاته، تستخدم واشنطن أدوات ضغط غير عسكرية، من بينها التلويح برسوم جمركية ثانوية على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، في محاولة للجمع بين العقوبات والردع العسكري ضمن سلة واحدة.

ضغط إسرائيلي ومخاوف إقليمية

الحشود الأميركية لا تُقرأ بمعزل عن الضغط الإسرائيلي المتصاعد. فإسرائيل، وفق محللين، تسعى إلى تدويل مواجهتها مع إيران وفرضها كأولوية أميركية، معتبرة الصراع معها امتداداً وجودياً لما بعد أكتوبر 2023. هذا الطرح يضع واشنطن أمام معضلة حقيقية بين استخدام القوة كورقة تفاوض، أو الانجرار إلى حرب أوسع بدفع من حليف إقليمي.

في المقابل، ترى غالبية القوى الإقليمية، بما فيها دول الخليج وتركيا، أن أي مواجهة أميركية ـ إيرانية ستفتح الباب أمام فوضى واسعة تمتد آثارها إلى الممرات البحرية وأسواق الطاقة، وهو ما يجعلها غير متحمسة لهذا السيناريو.

«النووي» وغموض الحسابات

يزيد الملف النووي الإيراني المشهد تعقيداً، في ظل غياب تحقق دولي حديث من مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وتداول تقديرات عن كميات مخصبة بنسبة تقترب من المستوى العسكري. هذا الغموض يغذي رؤيتين متناقضتين: الأولى تدفع نحو تشديد الضغط وربما الضربة، والثانية تحذر من أن أي هجوم قد يكون «رهاناً أعمى» يوسّع دائرة الصراع دون ضمان وقف البرنامج النووي.

الشارع الإيراني وحدود التأثير

رغم الرهانات على تأثير أي ضربة في الداخل الإيراني، تشير تقديرات إلى أن القصف وحده لا يصنع تحولاً سياسياً سريعاً، خاصة في ظل تراجع زخم الاحتجاجات وتشديد القيود الأمنية والإعلامية. بل قد تنتج الضربة أثراً معاكساً عبر تعبئة وطنية لصالح النظام وتشديد القمع تحت عنوان «مواجهة العدوان الخارجي».

هاجس «اليوم التالي»

القلق الأبرز داخل دوائر واشنطن لا يتوقف عند قرار الضربة، بل يمتد إلى سيناريو «اليوم التالي». فإضعاف مركز النظام دون سقوط منظم للدولة قد يفتح الباب أمام تفكك داخلي أو صراعات على الأطراف، في بلد متعدد القوميات وحساس جغرافياً. كما يُحذَّر من سيناريو «تبديل الرأس» مع بقاء مفاصل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية بصيغة قومية ـ عسكرية جديدة.

في المحصلة، لا تواجه واشنطن اليوم سؤال «هل نضرب إيران؟» فقط، بل سؤال «ماذا بعد الضربة؟»، وهي معادلة تجعل أي قرار أكثر تعقيداً، بين منطق الردع ومخاطر فتح أبواب يصعب إغلاقها.

اقرأ أيضا": اتفاق غزة يدخل شهره الرابع وسط شكوك أوروبية بمجلس السلام وخطط أميركية لإعادة الإعمار

يرجى الالتزام بآداب الحوار، وسيتم حذف أي تعليق مخالف.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال