تُعد الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري «البحري» إحدى الركائز اللوجستية الأبرز في الاقتصاد السعودي، وعنصرًا محوريًا في تعزيز حضور المملكة داخل سوق النقل البحري العالمي، في وقت يشهد فيه هذا القطاع تحولات متسارعة وتقلبات حادة مرتبطة بأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ويأتي هذا الدور في وقت تتزايد فيه أهمية النقل البحري كأداة استراتيجية لضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية وسط توترات جيوسياسية متصاعدة، فمنذ تأسيسها، لم تكتفِ «البحري» بدور الناقل الوطني لصادرات النفط، بل تطورت تدريجيًا لتصبح لاعبًا دوليًا مؤثرًا يمتلك أسطولًا متنوعًا، ونموذج أعمال مرنًا، وقدرة عالية على التكيّف مع دورات السوق، ما مكّنها من ترسيخ موقعها كأحد الأصول الاستراتيجية الداعمة لموثوقية سلاسل الإمداد السعودية وحضورها التجاري العالمي.
شركة ذات جذور وطنية ورؤية استراتيجية
تأسست «البحري» عام 1978 في سياق توسع المملكة في بناء بنيتها التحتية النفطية واللوجستية، وجرى إدراج أسهمها في السوق المالية السعودية «تداول» عام 1993، ما عزز حضورها المؤسسي ورسّخ مكانتها كشركة مساهمة عامة ذات ثقل اقتصادي.
ويعكس هيكل ملكية الشركة طبيعتها الاستراتيجية، إذ يحوز صندوق الاستثمارات العامة حصة مؤثرة، إلى جانب حصة كبيرة مملوكة لشركة أرامكو السعودية، بينما تُتداول بقية الأسهم في السوق المحلية.
هذا التكوين لا يمنح «البحري» فقط دعمًا ماليًا ومؤسسيًا قويًا، بل يضعها في قلب الاستراتيجيات الوطنية بعيدة المدى، سواء تلك المرتبطة بأمن الطاقة أو بتطوير القطاع اللوجستي كأحد محركات التنويع الاقتصادي. كما يمنحها ميزة تنافسية تتمثل في الاستقرار التشغيلي، والقدرة على التخطيط بعيد المدى في قطاع يشتهر بدوراته الحادة وتقلباته السريعة.
أسطول ضخم ومتنوّع يخدم الأسواق العالمية
تعتمد «البحري» في نموذج أعمالها على أسطول بحري كبير ومتنوّع يضم عشرات السفن المتخصصة، لتُصنّف ضمن أكبر شركات منطقة الشرق الأوسط، ويضعها في مصاف الشركات العالمية الرائدة في قطاع النقل البحري.
وهي أيضا" تشمل ناقلات النفط الخام العملاقة، وناقلات الكيماويات والمنتجات المكررة، والسفن متعددة الأغراض، إضافة إلى ناقلات البضائع السائبة الجافة.
هذا التنوع يمنح «البحري» قدرة عالية على توزيع المخاطر، ويقلل من اعتمادها على دورة واحدة من دورات الشحن، وهو عامل بالغ الأهمية في صناعة تتأثر بعوامل جيوسياسية واقتصادية وبيئية متداخلة. كما يسمح لها بخدمة عملاء متنوعين في أسواق متعددة، تمتد من آسيا إلى أوروبا والأميركيتين، ما يعزز حضورها التجاري العالمي ويمنحها مرونة تشغيلية أكبر.
إلى جانب نشاط النقل، تدير «البحري» ذراعًا لوجستية متكاملة تقدم حلول شحن شاملة، تشمل إدارة سلاسل الإمداد والخدمات البحرية المساندة، وهو ما ينسجم مع التوجهات العالمية نحو تقديم حلول لوجستية متكاملة بدل الاكتفاء بخدمة النقل فقط.
«البحري» ودورها في منظومة الطاقة السعودية
تمثل «البحري» حلقة وصل أساسية بين قطاع الإنتاج النفطي السعودي والأسواق العالمية، حيث تضطلع بدور محوري في ضمان انسيابية الصادرات النفطية والبتروكيماوية، وتعزيز موثوقية الإمدادات، خاصة في أوقات الأزمات أو الاضطرابات الجيوسياسية. هذا الدور الاستراتيجي يمنح الشركة بعدًا يتجاوز الحسابات الربحية التقليدية، ويجعل أداءها المالي والتشغيلي جزءًا من منظومة أوسع ترتبط بالأمن الاقتصادي والطاقة للمملكة.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى نتائج «البحري» المالية ليس فقط بوصفها مؤشرات على أداء شركة مدرجة، بل باعتبارها انعكاسًا لقدرة أحد الأصول الوطنية على التكيّف مع التحولات العالمية في أسواق الطاقة والنقل.
ويأتي توسّع «البحري» ضمن التحول الاقتصادي الأوسع الذي تقوده المملكة على مستوى الخليج، في ظل تقلبات أسواق الطاقة، كما يوضحه تقرير التحول الاقتصادي الخليجي بقيادة السعودية.
تطور الإيرادات بين 2018 و2024: مسار متقلب ونمو لافت
يعكس مسار إيرادات «البحري» خلال الفترة الممتدة من 2018 إلى 2024 طبيعة قطاع النقل البحري، الذي يتسم بالدورات الحادة والتقلبات السريعة. ففي عام 2018، سجلت الشركة إيرادات قوية، وواصلت النمو في 2019، قبل أن تشهد طفرة استثنائية في 2020، وهو عام شكّل نقطة تحول في أسواق الشحن العالمية.
جاء هذا الارتفاع في سياق ظروف غير اعتيادية شهدها العالم، حيث أدت اضطرابات التجارة العالمية وتراجع الطلب الفوري على النفط إلى ارتفاع الطلب على التخزين العائم، ما خلق بيئة مواتية لشركات ناقلات النفط العملاقة. واستفادت «البحري» من حجم أسطولها وقدرتها التشغيلية، محققة واحدة من أقوى سنواتها المالية.
غير أن هذا الزخم لم يستمر في 2021، إذ شهدت الأسواق تصحيحًا حادًا مع عودة جزء كبير من النفط المخزن إلى السوق، وتراجع الطلب على التخزين العائم، ما انعكس على إيرادات شركات النقل البحري عالميًا، بما في ذلك «البحري». ويُعد هذا التراجع انعكاسًا طبيعيًا لدورة السوق، أكثر منه مؤشرًا على ضعف هيكلي في الشركة.
التعافي السريع بعد 2021: مرونة النموذج التشغيلي
ابتداءً من عام 2022، بدأت «البحري» مرحلة تعافٍ ملحوظة، مستفيدة من تحسن أوضاع التجارة العالمية، وارتفاع الطلب على نقل الطاقة والمنتجات البترولية، إضافة إلى استقرار نسبي في أسواق الشحن. وتمكنت الشركة من استعادة زخمها بوتيرة أسرع من العديد من نظيراتها الدولية، بفضل تنوع أنشطتها وقاعدة عملائها الواسعة.
هذا التعافي المتدرج استمر في 2023 وبلغ ذروته في 2024، حيث سجلت الشركة أحد أعلى مستويات الإيرادات في تاريخها، ما يعكس نجاح استراتيجيتها في إدارة الدورات الاقتصادية، وقدرتها على تحويل التقلبات إلى فرص نمو مستدام.
التخزين العائم: درس قاسٍ كشف قوة النموذج
تُظهر تجربة عامي 2020 و2021 بوضوح حساسية قطاع النقل البحري للتغيرات المفاجئة في العرض والطلب. ففي 2020، تحولت ناقلات النفط من مجرد وسائل نقل إلى أصول تخزين استراتيجية، وهو ما رفع معدلات التأجير إلى مستويات غير مسبوقة. وقد كانت «البحري» في موقع يسمح لها بالاستفادة من هذا التحول، نظرًا لحجم أسطولها وانتشاره الجغرافي.
لكن مع انحسار الحاجة إلى التخزين العائم في 2021، عادت الأسواق إلى توازنها النسبي، وتراجعت معدلات الشحن، ما أثر على الإيرادات. غير أن الفارق الجوهري تمثل في سرعة تعافي «البحري» مقارنة بعدد من المنافسين، وهو ما يعكس قوة نموذجها التشغيلي وقدرتها على التكيف مع التحولات السريعة.
موقع «البحري» في المشهد التنافسي العالمي
عند مقارنة أداء «البحري» مع كبرى شركات النقل البحري العالمية، يتضح أنها باتت تحتل موقعًا متقدمًا من حيث الإيرادات والحضور السوقي، رغم اختلاف نماذج الأعمال وأحجام الأساطيل. ففي عام 2024، سجلت الشركة إيرادات تضعها في مصاف الشركات الرائدة عالميًا في قطاع ناقلات النفط، متقدمة على بعض الأسماء التقليدية في هذا المجال.
ورغم أن بعض المنافسين يديرون أساطيل أكبر عددًا، فإن قدرة «البحري» على تحقيق إيرادات قوية بأسطول أصغر نسبيًا تعكس كفاءة تشغيلية عالية، واستفادة أفضل من الأصول، إضافة إلى ميزة القرب من أحد أكبر منتجي الطاقة في العالم.
نحو مستقبل أكثر تنوعًا واستدامة
تدخل «البحري» المرحلة المقبلة في وقت يشهد فيه قطاع النقل البحري تحولات هيكلية، تشمل تشديد المعايير البيئية، وتزايد الاهتمام بكفاءة استهلاك الوقود، والتحول نحو التقنيات الرقمية. وتمتلك الشركة قاعدة قوية تتيح لها التكيف مع هذه المتغيرات، سواء من خلال تحديث أسطولها، أو الاستثمار في الحلول اللوجستية المتقدمة، أو توسيع نطاق خدماتها.
وفي ظل رؤية المملكة 2030، يُتوقع أن تلعب «البحري» دورًا متزايد الأهمية في دعم طموحات السعودية لتصبح مركزًا لوجستيًا عالميًا، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وقاعدتها الرأسمالية القوية، وخبرتها الطويلة في أسواق الشحن الدولية.
خلاصة اقتصادية
تمثل «البحري» نموذجًا سعوديًا ناجحًا لشركة استطاعت الجمع بين الدور الاستراتيجي والأداء التجاري، وبين الانضباط المالي والمرونة التشغيلية. فمن خلال أسطول متنوع، وهيكل ملكية داعم، واستراتيجية واضحة، أثبتت الشركة قدرتها على الصمود في وجه أقسى دورات السوق، وتحقيق نمو مستدام على المدى المتوسط والطويل.
ومع استمرار التحولات في أسواق الطاقة والنقل البحري، تبقى «البحري» في موقع يؤهلها للحفاظ على مكانتها كقوة تنافسية سعودية على خريطة النقل البحري العالمي، وداعم رئيسي لحضور المملكة الاقتصادي والتجاري في العالم.
اقرا أيضا" عن برج جدة السعودي يستعد لتجاوز برج خليفة ويعيد رسم ملامح العمارة العالمية


God Bless KSA 🇸🇦
ردحذف