اتهامات معاداة السامية بحق المملكة تثير جدلًا واسعًا بعد مقال للكاتب السعودي أحمد التويجري

الرياض – نبض السعودية

أثارت اتهامات وُجّهت إلى المملكة العربية السعودية بـ«معاداة السامية» موجة جدل سياسي وإعلامي خلال الأيام الماضية، وذلك عقب نشر مقال تحليلي للكاتب والأكاديمي السعودي أحمد التويجري، عضو مجلس الشورى السابق، تناول فيه انتقادات لسياسات الاحتلال الإسرائيلي وبعض التحركات الإقليمية المرتبطة بها. واعتبر التويجري أن هذه الاتهامات تندرج ضمن «حملات منظمة تهدف إلى خلط النقد السياسي المشروع بالكراهية الدينية»، وصرف الأنظار عن قضايا جوهرية تتعلق بالانتهاكات المستمرة في الأراضي الفلسطينية.

اتهامات معاداة السامية بحق السعودية تثير جدلاً واسعًا

وأكد التويجري أن الهجوم الذي تعرض له لم يقتصر على شخصه، بل امتد ليشمل اتهام المملكة نفسها بمعاداة السامية، وهو ما وصفه بأنه «تجاوز غير مبرر»، يعكس نمطًا متكررًا في الخطاب الإعلامي والسياسي لبعض الجهات المؤيدة للاحتلال، يقوم على تحريف المفاهيم وتوظيفها لأغراض ضغط سياسي.

خلفية الاتهامات وردود الفعل

وبحسب ما أوضحه الكاتب السعودي، فإن مقاله لم يتطرق من قريب أو بعيد إلى الديانة اليهودية أو اليهود بوصفهم جماعة دينية أو عرقية، بل ركّز على تحليل سياسي موثق، استند إلى دراسات أكاديمية وتقارير صادرة عن وسائل إعلام دولية معروفة. وأشار إلى أن الردود التي أعقبت نشر المقال، ومن بينها تصريحات لكتّاب ومنظمات مؤيدة لإسرائيل، اعتمدت على اتهامه، ومعه الإعلام السعودي، بترويج خطاب «معادٍ للسامية»، دون تقديم أدلة ملموسة على ذلك.

ويرى التويجري أن هذا النوع من الردود يعكس خلطًا متعمدًا بين معاداة السامية، بوصفها شكلًا من أشكال العنصرية المرفوضة أخلاقيًا وقانونيًا، وبين معارضة الأيديولوجيا الصهيونية أو انتقاد سياسات حكومة الاحتلال، وهو خلط وصفه بأنه «غير نزيه فكريًا ولا يمكن الدفاع عنه تحليليًا».

تعريف معاداة السامية في السياق الأكاديمي

وأوضح الكاتب أن التعريف الأكاديمي المتعارف عليه لمعادات السامية يتمثل في العداء أو التمييز ضد اليهود بسبب هويتهم الدينية أو العرقية، مؤكدًا أن هذا التعريف لا ينطبق على النقد السياسي الموجّه لدولة أو أيديولوجيا. وشدد على أن انتقاد سياسات الاحتلال، أو توثيق ما يصفه باحثون دوليون بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي، لا يمكن اعتباره كراهية دينية أو عنصرية.

وأضاف «أن توسيع مفهوم معاداة السامية ليشمل أي انتقاد لإسرائيل من شأنه أن يفرغ المصطلح من معناه الحقيقي، ويحوّله إلى أداة سياسية تستخدم لحماية الاحتلال من المساءلة الدولية».

انتقادات يهودية تاريخية للصهيونية

وتطرق التويجري في سياق حديثه إلى أن الصهيونية لم تكن محل إجماع داخل الأوساط اليهودية، بل واجهت منذ نشأتها انتقادات من حاخامات ومفكرين يهود بارزين، اعتبروا أنها تمثل انحرافًا عن القيم الدينية والأخلاقية لليهودية. واستشهد بمواقف تاريخية لمفكرين رأوا أن تحويل الدين إلى مشروع سياسي قومي يحمل مخاطر أخلاقية، ويؤدي إلى صراعات طويلة الأمد.

كما أشار إلى دراسات وأبحاث معاصرة لعدد من الأكاديميين اليهود وغير اليهود، وثّقت سياسات التهجير والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك ممارسات وُصفت بأنها تمييز ممنهج يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني.

الموقف السعودي من القضية الفلسطينية

وفي معرض رده على الاتهامات الموجهة للمملكة، شدد التويجري على أن السعودية تُعد من أبرز الدول الداعمة لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، مذكرًا بالمبادرات السعودية للسلام التي شكّلت مرجعيات أساسية في العمل العربي المشترك. وأوضح أن مبادرة السلام العربية، التي أُقرت عام 2002، لا تزال تعكس جوهر الموقف السعودي القائم على إنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وأكد أن هذا الموقف الثابت يتوافق مع قرارات الشرعية الدولية، ومع المبادئ التي أعلنتها القيادة السعودية مرارًا، الداعية إلى تحقيق السلام العادل والدائم، ورفض سياسات الاحتلال والتوسع الاستيطاني.

التعايش الديني في السياق التاريخي

كما تناول الكاتب البعد التاريخي للعلاقات الإسلامية اليهودية، مشيرًا إلى أن المجتمعات الإسلامية، عبر قرون طويلة، وفّرت بيئة للتعايش الديني والثقافي، وهو ما وثقته دراسات أكاديمية غربية. وأوضح أن هذا الإرث التاريخي يتناقض مع محاولات تصوير النقد السياسي لإسرائيل على أنه عداء متأصل لليهود.

جدل متواصل ومسؤولية إعلامية

ويعكس الجدل المثار، وفق مراقبين، حساسية النقاش المتعلق بالقضية الفلسطينية في ظل التطورات الإقليمية والدولية، ويعيد طرح تساؤلات حول حدود النقد السياسي، ومسؤولية الإعلام في الفصل بين المفاهيم الدينية والقراءات السياسية. وفي هذا السياق، يرى متابعون أن اتهام الدول أو الكتّاب بمعاداة السامية دون أسس واضحة قد يسهم في تعقيد الحوار الدولي، بدلًا من فتح المجال أمام نقاش موضوعي يستند إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان.

ويؤكد الكاتب السعودي أحمد التويجري في ختام مواقفه أن الحملات الإعلامية، مهما بلغت حدتها، لن تغيّر من ثوابت المملكة أو من حقيقة أن السلام العادل لا يمكن أن يتحقق دون إنصاف الشعب الفلسطيني، واحترام القيم الإنسانية المشتركة التي ترفض الظلم والتمييز بكافة أشكاله.

يرجى الالتزام بآداب الحوار، وسيتم حذف أي تعليق مخالف.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال